أهمية الدبلوماسية الثقافية في تحويل مأساة الأنفال إلى هوية عالمية

S�

Soran Naqishbandy - سوران نقشبندی

باحث في مجال الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة

أهمية الدبلوماسية الثقافية في تحويل مأساة الأنفال إلى هوية عالمية

مقدمة: أنطولوجيا الإبادة الجماعية والثقافة كدرع وحيد للبقاء
في الفلسفة السياسية وتاريخ اضطهاد الشعوب، لا تُعرّف الإبادة الجماعية (Genocide) كعمل بيولوجي يهدف إلى المحو الجسدي لمجموعة بشرية فحسب، بل يُنظر إليها كمسعى منهجي ومخطط لـ "الإبادة الثقافية" (Ethnocide) وتدمير الأبعاد التاريخية والدلالية لأمة ما. عندما صاغ (رافائيل ليمكين) هذا المصطلح لأول مرة في عام 1944، لم يكن يقصد المجازر فقط، بل كان يشير إلى تدمير الأسس الثقافية والاجتماعية التي تميز مجموعة عن أخرى. بالنسبة للأمة الكردية، التي كُتب تاريخها في القرن العشرين بين خطوط العنف وإنكار الهوية، كانت عملية الأنفال عام 1988 ذروة تلك الوحشية التي مارستها الدولة القومية المهيمنة (البعث). في تلك العملية، تم اقتياد 182 ألف إنسان بريء، يحملون أحلاماً وتاريخاً ولغة فريدة، نحو صحاري جنوب العراق ليدفنوا وهم أحياء، في ظل صمت دولي مميت.

إن الجبروت الجغرافي والسياسي الذي يعيش في ظله الكرد كأمة بلا دولة (Stateless Nation)، جعل صوت هذه المأساة حبيساً داخل الحدود الداخلية، في ظل غياب مقعد رسمي في الأمم المتحدة أو سفارات رسمية في عواصم الدول. ومن هنا، تنشأ حاجة حتمية للجوء إلى "الدبلوماسية الثقافية" (Cultural Diplomacy). فالدبلوماسية الثقافية ليست مجرد نشاط فني مجرد، بل هي استراتيجية عليا لاستخدام "القوة الناعمة" (Soft Power) بهدف استقطاب وجدان شعوب العالم وخلق ضغط أخلاقي على المراكز السياسية. يحاول هذا المقال رسم خارطة طريق للقضية الكردية من خلال تحليل عميق للتجارب العالمية مثل المحرقة اليهودية (الهولوكوست)، والإبادة الجماعية للأرمن، ورواندا. هدفنا هو إثبات كيف يمكننا تحويل القصص الفردية والجماعية للأنفال من "نواح داخلي" إلى "هوية عالمية"، لكي يتعامل العالم مع القضية الكردية ليس كرقم إحصائي، بل كجرح إنساني، ولا يترك مجالاً لتكرارها.

الجزء الأول: الإطار النظري؛ من "القوة الناعمة" إلى "العلامة الوطنية"
لفهم كيف تصبح الثقافة أداة دبلوماسية، يجب أن نفهم نظريات "القوة الناعمة"، التي صاغها البروفيسور جوزيف ناي (Joseph Nye) في عام 1990 في كتابه (Bound to Lead). يخبرنا ناي أن القوة الحقيقية للأمم لا تكمن فقط في "القوة الصلبة" (Hard Power) أو الجيش والاقتصاد، بل في القدرة على الجذب (Attraction) وخلق التعاطف من خلال القيم الثقافية والسياسية. بالنسبة لأمة كالكرد، محاصرة عسكرياً واقتصادياً، تصبح الثقافة الأداة الوحيدة لـ "البقاء وخلق التأثير". هذا هو المكان الذي تصبح فيه الدبلوماسية الثقافية سفيراً لصوت الكرد؛ فعندما يتعرف العالم على الثقافة الكردية من خلال فيلم أو رواية، ينشأ نوع من "اللوبي الثقافي" القادر على توجيه القرارات السياسية للدول العظمى نحو دعم الكرد.

من هنا نصل إلى نظرية البروفيسور نيكولاس جيه. كول (Nicholas J. Cull) حول دبلوماسية الشعوب، أو الدبلوماسية العامة (Public Diplomacy)، والتي تؤكد على خمسة أبعاد رئيسية: الاستماع، والمناصرة، والدبلوماسية الثقافية، والتبادل الوطني، والبث والنشر الدولي، حيث يكون اللاعبون والشخصيات الرئيسية بالتأكيد الجميع باستثناء السياسيين ورجال الدولة. ووفقاً لنظريات كول، وكذلك مفهوم "بناء العلامة الوطنية" (Nation Branding) الذي طوره سايمون أنهولت (Simon Anholt)، تُبنى سمعة الأمة على أساس صورة شاملة ورسالة موحدة. يحتاج الكرد إلى التحول من صورة "أمة ضحية ومظلومة" تستجدي الشفقة دائماً، إلى صورة "أمة متحضرة ومبتكرة ومحبة للحياة" واجهت أنظمة فاشية. هذا التغيير في السردية (Narrative Shift) ليس مجرد عمل إعلامي، بل هو عملية "أيقونية" (Iconographic)؛ أي خلق رموز وعلامات تُعرف في كل مكان في العالم كرموز للعدالة.

يجب أن تعتمد استراتيجية الدبلوماسية الثقافية للإبادات الجماعية ضد الكرد على "أنسنة الكارثة". عندما نعيد صياغة مأساة الأنفال بلغة نظريات القوة الناعمة، نرى أن العالم لا يتعاطف مع رقم الـ 182 ألف شخص، بل يتعاطف مع "الأحلام المدمرة" الكامنة داخل هذه الأرقام. إن بناء العلامة الوطنية الكردية من خلال الأنفال يجب أن يحول الكارثة إلى "جزء من الوجدان الإنساني المشترك"، تماماً كما جعل اليهود من الهولوكوست رمزاً عالمياً لرفض الظلم والإبادة الجماعية. يتطلب هذا خطة استراتيجية طويلة الأمد تعمل فيها جميع مفاصل الأدب والسينما والموسيقى والمسرح كوحدة متكاملة لخلق إجماع دولي يحمي الوجود الكردي وثقافته، لا سيما في منطقة محفوفة بالتهديدات مثل الشرق الأوسط.

الجزء الثاني: دبلوماسية الأدب؛ الكلمة كأرشيف روحي وحارس للحقيقة
لم يكن الأدب في تاريخ الحضارة مجرد أداة لسرد القصص، بل برز كـ "حارس حقيقي للتاريخ" وأعمق مجال للدبلوماسية الثقافية. بالنسبة لأمة بلا دولة كالكرد، حيث تتعرض أرضها دائماً لخطر الاحتلال والتقسيم، تصبح "اللغة" هي الوطن الوحيد وتصبح "الكتابة" عملية لترسيخ الوجود. أثناء الإبادات الجماعية، يكون الهدف الأول للديكتاتوريات هو محو الأرشيف والمكتبات والهويات الأدبية للأمة الخاضعة، لأنهم يدركون أن النصوص الأدبية قادرة على حماية "الشخصية الوطنية" من الفناء. تبرز دبلوماسية الأدب (Literary Diplomacy) هنا كقوة ناعمة يمكنها نقل مأساة محلية إلى مكتبات وعقول ووجدان ملايين البشر في أقاصي العالم، وتخلق نوعاً من "المقاومة الأدبية" التي لا يمكن لأي سلاح عسكري أن يحطمها.

المثال الأبرز والأكثر تأثيراً عالمياً في هذا المجال هو مذكرات "يوميات فتاة شابة" لآن فرانك (Anne Frank). هذا الكتاب، الذي هو مجرد مذكرات بسيطة لفتاة يهودية تبلغ من العمر 13 عاماً أثناء اختبائها من النازيين في أمستردام، هز العالم بعد نشره عام 1947. حتى الآن، بيع منه أكثر من 30 مليون نسخة وتُرجم إلى أكثر من 70 لغة عالمية. تكمن الأهمية الدبلوماسية لهذا الكتاب في أنه حول الهولوكوست من تقرير سياسي وإحصائية جافة (تتحدث عن مقتل 6 ملايين يهودي) إلى "قصة إنسانية" يمكن لكل أب وأم وطفل في العالم أن يرى نفسه فيها. أصبحت آن فرانك "الوجه الإنساني" لضحايا النازية؛ هذا الكتاب خلق ضغطاً أخلاقياً هائلاً على الضمير الغربي لدرجة أنه أصبح لاحقاً أحد الركائز المهمة لبناء إجماع دولي للاعتراف بجرائم ألمانيا النازية كإبادة جماعية.

وفي السياق ذاته، لا ينبغي تجاهل الدور الاستراتيجي لرواية "الليل" (Night) لإيلي فيزيل (Elie Wiesel). فيزيل، الذي كان ناجياً من معسكرات أوشفيتز وبوخنفالد، تحدث في هذا الكتاب الصادر عام 1958 عن "صمت البشرية" و"صمت الله" أثناء الإبادة الجماعية. ترجمة هذا الكتاب إلى أكثر من 30 لغة وحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1986، جعل من "حفظ الذاكرة" واجباً أخلاقياً دولياً. شعار "لن يتكرر أبداً" (Never Again)، الذي أصبح أساساً للقوانين الدولية لحقوق الإنسان، كان نتاجاً لتلك الدبلوماسية الأدبية التي قام بها فيزيل ورفاقه. وبالمثل، تمكن ألكسندر سولجنتسين من خلال "أرخبيل غولاغ" بمفرده من تشويه صورة السوفييت كدولة عادلة في عيون العالم وإظهار كيف تسحق الأنظمة الشمولية الإنسان؛ وهذا مثال على كيف يمكن للأدب أن يعمل كـ "سلاح سياسي" ضد الديكتاتورية.

بالنسبة للأمة الكردية، تُعد الروائع العظيمة مثل "مقبرة الفوانيس" لشيركو بيكس، أكبر نصب أدبي لكارثة الأنفال. شيركو بيكس في هذا النص ليس مجرد شاعر، بل هو "مؤرخ الروح الكردية". لقد استطاع بيكس إخراج 182 ألف إنسان مجهول الهوية من بين الأرقام والإحصائيات وإعادتهم كأشخاص يمتلكون الأحلام والأمل والحب. عندما يتحدث شيركو عن "فتاة كردية مأنفلة" أخذت أحلامها معها تحت رمال الصحراء، فإنه ينخرط في نوع من "دبلوماسية الوجدان". تكمن مشكلة أدب الأنفال في أن معظمه ظل حبيس حدود اللغة الكردية. لكي تصبح الأنفال قضية عالمية، يحتاج الكرد إلى استراتيجية "الترجمة العكسية". يجب نشر نصوص شيركو بيكس وبختيار علي وشيرزاد حسن وغيرهم، بجودة ترقى لإصدارات "بينجوين" و"أكسفورد"، حتى يدرك القارئ الأجنبي أن الأنفال لم تكن مجرد "قتل للأجساد"، بل كانت محاولة لقتل "الجمال والثقافة واللغة الحية".

بهذه الطريقة، نستخدم فعل التبادل الثقافي والترجمة والنشر الدولي لإيصال ألم أمة إلى وجدان الإنسانية.
يمكن للأدب أن يملأ الفراغ الذي لم تستطع الدبلوماسية السياسية أو الكلاسيكية ملأه. إذا كان العالم قد تعلم أن يشمئز من الحرب من خلال رواية مثل "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" (لإريك ماريا ريمارك)، والتي بيع منها أكثر من 2.5 مليون نسخة وتُرجمت إلى 25 لغة، فيجب أن يتعلم العالم حماية حقوق الإنسان الكردي من خلال "أدب الأنفال". إن السمعة وبناء العلامة الوطنية الكردية يبدأ من خلال الأدب، أي بتحويل "الألم القومي" إلى "نتاج معرفي وفني" يجبر العالم على احترامه ووضع حد لتكراره. لن تصبح الأنفال حامية للكرد إلا عندما تصبح جزءاً من الأرشيف الأدبي للبشرية جمعاء، تماماً كما تدرس روايات الإبادة الجماعية لليهود والأرمن ورواندا حتى الآن في كبرى جامعات العالم كدروس في "الأخلاق والسياسة".

الجزء الثالث: دبلوماسية الصورة الثابتة والمتحركة؛ الشاشة كمنصة لمحاكمة التاريخ
في المعادلات الجديدة للدبلوماسية العامة، تُعرّف السينما بأنها "لغة عالمية" لا تحتاج إلى ترجمة الكلمات، لأنها تصل مباشرة إلى أعماق الضمير الإنساني عبر "الصورة والعاطفة". السينما هي الجناح الأكثر فعالية لـ "القوة الناعمة"، حيث يمكنها في غضون ساعتين نقل آلام عدة عقود لأمة ما إلى منازل وقاعات الثقافة في الدول صاحبة القرار. بالنسبة للكرد، المحاصرين دائماً إعلامياً وسياسياً، تبرز السينما كـ "منفذ النور" الوحيد لكسر الصمت المضروب حول عملية الأنفال والقصف الكيماوي. إن دبلوماسية السينما (Cinema Diplomacy) ليست مجرد إنتاج للأفلام، بل هي عملية لـ "أنسنة الكارثة" وتحويل الضحايا من أرقام إحصائية إلى "أبطال بشريين" يتمنى العالم نجاتهم.

المثال الأرقى والعالمي لهذا التأثير هو فيلم "قائمة شندلر" (Schindler's List) من إخراج ستيفن سبيلبرغ (1993). حصد هذا الفيلم سبع جوائز أوسكار وتجاوزت إيراداته 322 مليون دولار، وتمكن من جمع تاريخ الهولوكوست في قالب "قائمة أسماء واحدة". لم يجعل سبيلبرغ بهذا العمل القضية اليهودية عالمية فحسب، بل خلق ضغطاً أخلاقياً أدى إلى تغيير قوانين العديد من الدول لتجاوز إنكار الهولوكوست والاعتراف أخيراً بالمجزرة كـ "جريمة". على المستوى ذاته، قدم الفيلم الإيطالي "الحياة جميلة" (Life is Beautiful) عام 1997 من إخراج روبرتو بينيني، والذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، درساً عظيماً للعالم؛ وهو تجسيد "إرادة الحياة" في قلب الموت. أظهر بينيني كيف يحول أب في معسكر نازي الموت إلى لعبة خيالية لطفله كي لا يخاف ولا تنكسر روحه. هذا هو بالضبط "اللوبي الثقافي" الذي يحتاجه الكرد؛ لإظهار أن الكردي حتى في صحارى الأنفال، ظل يغني الألحان، وظل يروي القصص لأطفاله، وظل يمارس العاطفة، وظل يحافظ على إنسانيته.

لا يقتصر تأثير السينما على الأفلام الدرامية فحسب، بل إن الأفلام الوثائقية قادرة على تغيير القوانين والقرارات السياسية. الفيلم الوثائقي الباكستاني "فتاة في النهر: ثمن الغفران" (2015) من إخراج شارمين عبيد، والذي فاز بجائزة الأوسكار، دفع رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك (نواز شريف) تحت ضغط الرأي العام العالمي لتغيير القوانين المتعلقة بـ "جرائم الشرف". هذا يثبت أن فن السينما يمكن أن يزيد "التكلفة السياسية" على الدول والحكومات. بالنسبة لقضية الأنفال، يحتاج الكرد إلى إنتاج أفلام وثائقية عالمية وعالية المستوى موجهة باللغات الحية إلى المراكز القانونية والبرلمانية في العالم، لكي تبقى الأنفال ليس فقط كذكرى، بل كـ "قضية قانونية مفتوحة".

في تاريخ السينما الكردية، يبرز يلماز غوني (Yılmaz Güney) كرائد وأب روحي لسينما المقاومة. تمكن غوني بفيلمه "الطريق" (Yol - 1982)، الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان، من عرض القضية الكردية والقمع السياسي في تركيا لأول مرة على الشاشات العالمية الكبرى. أثبت غوني أن السينما قادرة على اختراق الحدود حتى من داخل السجون. ومن بعده، استطاع بهمن قبادي بفيلميه "زمن لجياد السُكْر" (2000) و"السلاحف تستطيع الطيران" (2004)، أن يروي جراح الكرد وحياة الأطفال وسط الحرب بطريقة هزت قلوب ملايين البشر في جميع أنحاء الأرض. استخدم قبادي نوعاً من "دبلوماسية السينما" التي جعلت اسم الكرد ومعاناتهم تُعرف في مهرجانات الدرجة الأولى العالمية كهوية مبتكرة.

ولكن لكي تصبح السينما الكردية أداة استراتيجية للتعريف بالأنفال، يجب أن تتحول من "جهود فردية ومشتتة" إلى "صناعة وطنية". إن بناء العلامة الوطنية الكردية عبر السينما يعني إنتاج أفلام تتحدث عن "إرادة الناجين". فالعالم يمل من رؤية الجثث والبكاء، ولكنه يرغب دائماً في رؤية أولئك الأبطال الذين ينهضون من رماد الإبادة الجماعية ويبتكرون الحياة من جديد. يجب أن تصبح المهرجانات السينمائية في كردستان (دهوك والسليمانية) مركزاً دولياً لـ "سينما الإبادة الجماعية"، حيث لا تُكرم الأفلام الكردية فحسب، بل الأفلام العالمية التي تتناول هذه القضية أيضاً. السينما هي "اللوبي الثقافي" القادر على انتشال الأنفال من صفحات التاريخ المغبرة ووضعها في "الذاكرة الحية للبشرية"، حتى يدرك العالم أن حماية الكرد هي حماية لجزء مهم من جمال وتنوع الإنسانية.

الجزء الرابع: دبلوماسية الموسيقى؛ اللحن الأنطولوجي وسيمفونية البقاء الكردي
تُعرّف الموسيقى في مجال الدبلوماسية الثقافية كـ "لغة ما وراء الكلمات" (Meta-language)، قادرة على اختراق الحدود المصطنعة للسياسة والاختلافات اللغوية لتعمل مباشرة على وجدان وضمير الإنسانية. الموسيقى ليست مجرد تنظيم للألحان، بل هي "دبلوماسية الصوت" عندما تواجه أمة الإبادة الجماعية، تصبح الموسيقى الأداة الوحيدة لنقل تلك "الصرخة الصامتة" المكتومة في التاريخ. بالنسبة للكرد، الموسيقى أرشيف حي حفظ تاريخ الأنفال والقصف الكيماوي في المقامات واللاوك والحيران، لكن تحويل هذا الألم إلى "لغة أوركسترالية عالمية" هو مفتاح النجاح في مشروع بناء العلامة الوطنية، حتى لا ينظر العالم إليهم كضحية فقط، بل كأمة تمتلك "جلالة الموسيقى".

في تاريخ الثقافة، برزت السيمفونيات كواحدة من أكثر الأفعال المؤثرة في الدبلوماسية الثقافية. السيمفونية رقم 13 لديمتري شوستاكوفيتش (Babi Yar, 1962) هي مثال نادر على هذه القوة؛ حيث تمكن شوستاكوفيتش عبر هذه الموسيقى من نقل مجزرة اليهود في أوكرانيا إلى كبرى قاعات موسكو والعالم، حتى في الوقت الذي كان فيه النظام السوفيتي يحاول إخفاء تلك الجرائم عبر الترهيب. أصبحت الموسيقى لغة لم تتمكن أي رقابة سياسية من إيقافها. وبالمثل، استطاعت المقطوعة الموسيقية "نينوى" (1983) لحسين عليزاده، المكتوبة لآلة الناي والأوركسترا الوترية، أن تحول الألم الإنساني أثناء الحرب إلى لغة عالمية. تثبت هذه الأعمال الفنية أن الموسيقى تصبح دبلوماسية عندما تتمكن من تحويل "الألم الخاص" إلى "شعور عالمي". من ناحية أخرى، أظهرت حملة (Live Aid) عام 1985، عبر أغنية "نحن العالم" (We Are the World)، ذروة التأثير والتعاطف تجاه أفريقيا، حيث لم تجمع التبرعات المالية فحسب، بل وحدت "الضمير العالمي" حول قضية إنسانية؛ وهذا هو بالضبط النموذج الاستراتيجي الذي تحتاجه قضية الأنفال.

على المستويين المحلي والوطني، شكلت جهود الموسيقار الرائد د. دلشاد سعيد نقطة تحول تاريخية في دبلوماسية الموسيقى الكردية. استطاع دلشاد سعيد عبر "سيمفونية البيشمركة" و"سيمفونية كردستان" إخراج آلام ونضال وجراح الأنفال من قالب الألحان المحلية ونقلها إلى الأشكال الكلاسيكية العالمية. عندما تعزف أوركسترا كبرى في أوروبا الموسيقى الكردية، فإن "الهوية الكردية" تنتقل من الجبال إلى الأوساط الثقافية العليا في العالم. هذه الأعمال تظهر الكرد كأمة تمتلك "نظاماً معرفياً موسيقياً"، وهو الرد الأكثر فعالية على الأنظمة الفاشية التي أرادت تصوير الكرد كمكون بلا ثقافة وبلا تاريخ. إن القدرة الموسيقية لدلشاد سعيد يمكنها أن تحول الأنفال إلى "قصة أوركسترالية" يمكن لأي مستمع غربي أن يفهم عمق الكارثة من خلالها دون الحاجة إلى ترجمة لغوية.

من ناحية أخرى، يستحق الدور الفردي لهژار زهاوي كـ "سفير ثقافي متجول" التأمل. تمكن زهاوي من نشر آلة "الدف"، المتجذرة بعمق في التصوف والثقافة الكردية، على المستوى العالمي وجعلها آلة معروفة في الأوساط الموسيقية الدولية. هذا النوع من الدبلوماسية الموسيقية، الذي يتم بدعم قليل ولكن بإرادة عظيمة، يثبت أن "الفرد" يمكن أن يصبح وزارة متجولة. كذلك، فإن التعريف بآلة "الطنبور" أو "الطميرة" الخاصة باليارسانيين، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 7500 عام، هو أعظم دليل دبلوماسي لترسيخ "أصالة وتاريخية" الكرد على هذه الأرض. الطنبور ليس مجرد آلة، بل هو "شفرة جينية ثقافية"؛ إن مساعي تسجيل هذه الآلة ضمن التراث الثقافي لمنظمة اليونسكو لها أهمية لا تُقدر بثمن، لأنه عندما يعرف العالم أن الكرد يمتلكون آلة كهذه يقف وراءها 75 قرناً من التاريخ، فإن أي محاولة لإبادة هذه الأمة ستُعتبر محاولة لتدمير جزء مهم من "التراث الإنساني" وتصبح خطاً أحمر عالمياً.

يجب أن تعتمد استراتيجية الكرد المستقبلية في دبلوماسية الموسيقى على "تجميع الطاقات المشتتة". هناك حاجة إلى مؤسسة وطنية لـ "موسيقى الإبادة الجماعية" تشجع كبار الموسيقيين في العالم (مثل يو-يو ما أو هانز زيمر) للعمل على تاريخ الأنفال والقصف الكيماوي. يمكن للموسيقى أن تحول صورة عمر خاور أو أمهات ضحايا الأنفال إلى "تردد أبدي" داخل السيمفونيات ليرن في أذن البشرية إلى الأبد. بناء العلامة الوطنية الكردية عبر الموسيقى يعني خلق "أرشيف وخلفية صوتية" للكارثة؛ حتى عندما يسمع العالم اسم الأنفال، تعزف في أذهانهم موسيقى مليئة بالجلال والألم. الموسيقى هي القوة القادرة على خلق "لوبي ثقافي" لا يمكن لأي قانون دولي أن يتجاهله، لأن الموسيقى تصل إلى قلوب الأمم قبل أن تصل إلى البرلمانات، ومن هناك تُغير القرارات السياسية.

الجزء الخامس: دبلوماسية المسرح؛ منصة لسرد الحقيقة وتضميد الجراح
يُعرّف المسرح في الفلسفة الثقافية كـ "فن حي وحاضر" (Living Art)، حيث يجسد الجسد البشري الفعل. على عكس السينما والأدب، يخلق المسرح تواصلاً مباشراً ومادياً بين "البطل/الضحية" و"الجمهور"، مما يترك أثراً عاطفياً ونفسياً لا مثيل له. في إطار الدبلوماسية الثقافية، يبرز المسرح كـ "مسرح الشهادة" (Theatre of Witnessing)؛ إنه ليس مجرد عرض فني، بل "دليل حي" يجبر العالم على مواجهة الحقائق التي تحاول السياسة إخفاءها. بالنسبة لقضية الأنفال، يمكن للمسرح أن يؤدي مهمتين استراتيجيتين: الأولى، إيصال صوت مظلومية الكرد إلى المراكز الثقافية العالمية، والثانية، استخدام المسرح كأداة علاجية (Drama Therapy) لأجيال ما بعد الأنفال والناجين في المخيمات، لتحويل تلك المأساة من "عقدة نفسية قاتلة" إلى "قوة تاريخية للتغيير".

من أهم الأمثلة العالمية، مسرحية "التحقيق" (The Investigation, 1965) لبيتر فايس. اعتمد هذا النص، المعروف بـ "المسرح الوثائقي"، بالكامل على محاضر ووثائق محاكمات فرانكفورت التي حوكم فيها النازيون. تمكن فايس من تحويل وثائق المحكمة الجافة إلى نص مسرحي يجعل المشاهد يشعر وكأنه عضو في هيئة المحلفين في المحكمة. استطاع هذا النوع من المسرح أن يواجه الوجدان العام الألماني والأوروبي بالحقيقة. هذا درس عظيم للكرد؛ فنحن نمتلك آلاف الوثائق والمحاضر لمحاكمات قادة نظام البعث (خاصة قضية الأنفال في المحكمة الجنائية العليا)، والتي يمكن تحويلها إلى نصوص مسرحية وثائقية ذات مستوى عالمي وعالٍ. هذا النوع من المسرح أكثر تأثيراً من "الصراخ والنواح"، لأن العالم يصمت أمام "الدليل" وتتحرك عاطفته نحو العدالة.

مثال عالمي آخر تمكن من حماية هوية أمة من خلال المسرح هو مسرحية "وحش على القمر" (Beast on the Moon, 1995) لریتشارد كالينوسكي. تتناول هذه المسرحية الآلام العميقة لناجيَين من الإبادة الجماعية للأرمن في أمريكا، اللذين لا يستطيعان التحرر من ظل الكارثة. تُرجم هذا النص إلى أكثر من 20 لغة عالمية وعُرض في 17 دولة، واستطاع الفوز بجوائز كبرى مثل جائزة "موليير" الفرنسية. نجاح هذه المسرحية لم يكن في الحديث عن "القتل" فحسب، بل في الحديث عن "السعي للحياة" و"الألم النفسي للنجاة" (ذنب الناجي). بالنسبة للأنفال، يحتاج الكرد إلى هذا النوع من "الأنسنة" (Humanization)؛ نحتاج إلى مسرحية تتحدث عن "حب غير مكتمل في صحراء نقرة السلمان" أو "حلم طفل بلعبة"، بدلاً من الحديث فقط عن أعداد الجثث. عندما يتولد لدى العالم تعاطف تجاه "الحياة"، يكون مستعداً لدعم "حقوق الإنسان الكردي".

بُعد آخر مهم جداً، هو استخدام المسرح كأداة للعلاج النفسي والاجتماعي (Drama Therapy). بعد الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، استُخدم المسرح كأداة رئيسية للمصالحة وتضميد الجراح. المشروع الكبير "رواندا 94" (Rwanda 94) الذي نفذته مجموعة (Groupov)، هو مثال على جمع الضحايا والجلادين على خشبة مسرح واحدة لسرد الحقائق. بالنسبة للكرد، فإن استخدام العلاج المسرحي لـ "أمهات الأنفال" وأجيالهن، يمكن أن يحول تلك الطاقة السلبية والاكتئاب الاجتماعي الذي خلفته الإبادة الجماعية إلى "طاقة إبداعية". عندما تقدم امرأة ناجية من الأنفال قصتها على خشبة المسرح، فهي لا تريد فقط إبكاء المشاهد، بل تنخرط في عملية "استعادة الكرامة" (Reclaiming Dignity)؛ إنها تثبت أن الديكتاتور لم يستطع قتل روحها. هذا النوع من العروض الفردية والجماعية هي أكثر أنواع "دبلوماسية الوجدان" فعالية، والتي تجبر العالم على النظر إلى الكرد باحترام.

يجب أن تتغير استراتيجية الكرد في مجال المسرح من "العروض المحلية" إلى "المسرح السفير". مشكلة المسرح الكردي أنه يبقى داخل حدود إقليم كردستان وغالباً ما يتحدث بلغة رمزية ثقيلة لا يفهمها سوى النخبة. لكي يصبح المسرح سفيراً للأنفال، يجب ترجمة نصوصنا وعرضها في المهرجانات العالمية الكبرى مثل (Avignon) في فرنسا، أو (Edinburgh International Festival) في اسكتلندا. بناء العلامة الوطنية الكردية عبر المسرح يعني إظهار أن الكرد يمتلكون "ثقافة مسرحية حديثة وراقية" قادرة على تحويل مأساة مثل الأنفال إلى تحفة فنية عالمية. المسرح ليس فقط لسرد الماضي، بل لحماية المستقبل؛ فعندما يُرفع ستار المسرح في باريس أو نيويورك وتُروى قصة الأنفال، سيدرك العالم أن تجاهل الكرد أصبح أمراً مستحيلاً.

الجزء السادس: أيقونية الكارثة وفلسفة النصب التذكارية؛ عندما يصبح الحجر والصورة سفراء إلى الأبد
تُعرّف الفنون البصرية (Visual Arts) والتصوير الفوتوغرافي، في إطار الدبلوماسية الثقافية، بأنها "القوة الصامتة"، لأنها تمتلك القدرة على إيقاف لحظة تاريخية وإخراجها خارج حدود الزمن. إذا كانت الكلمة تحتاج إلى ترجمة، فإن الصورة والتمثال يلامسان ضمير المشاهد مباشرة، بغض النظر عن اللغة والعرق والدين. بالنسبة للأمة الكردية، التي يزخر تاريخها بالمشاهد المأساوية، فإن الفن البصري ليس للجمال فحسب، بل لـ "حماية الحقيقة" ومنع تشويه التاريخ من قبل السلطات القمعية. هذا هو المجال الذي تصبح فيه "صرخة الحجر" و"ظل اللون" أولئك الرحالة الذين لا تستطيع أي دولة منع تأشيرة الدخول عنهم.

المثال الأكثر شهرة عالمياً في هذا المجال هو لوحة غيرنيكا (Guernica) لبابلو بيكاسو (1937). رسم بيكاسو هذه اللوحة الجدارية الضخمة بالألوان الأسود والأبيض والرمادي ليظهر فقط "الحداد المطلق". تجسد اللوحة تلك اللحظة التي قصفت فيها الطائرات الحربية النازية مدينة غيرنيكا في إقليم الباسك. عندما نظر ضابط نازي في باريس إلى اللوحة وسأل بيكاسو باستهزاء: "هل أنت من فعل هذا؟"، أجابه بيكاسو بكبرياء وشموخ فنان مقاوم: "لا، أنتم من فعلتموه!". هذا الرد القصير هو جوهر الدبلوماسية الثقافية؛ الفن هنا يصبح مرآة تجبر المجرم على رؤية بشاعته وبشاعة الآخرين. لا تزال غيرنيكا حتى الآن رمزاً عالمياً لمعارضة الإبادة الجماعية، وتُعلق نسخة منها أمام قاعة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مما يثبت أن "الفن ليس للجمال فقط، بل لتخليد الحقيقة".

في مجال التصوير الفوتوغرافي، تُعد صورة "عمر خاور" التي التقطها رمضان أوزتورك أثناء القصف الكيماوي على حلبجة، القطعة الفنية-الوثائقية الأكثر تأثيراً للكرد. هذه الصورة، التي يظهر فيها أب يحتضن رضيعه وقد احتضنهما الموت معاً، تلخص كل تاريخ قمع البعث في لحظة واحدة. لكن مشكلتنا الكبرى تظهر هنا: لماذا استطاعت صورة "فتاة فيتنام" (Phan Thi Kim Phuc)، التي كانت تركض عارية هرباً من قنبلة النابالم، إيقاف حرب فيتنام وهز وجدان ليس أمريكا فحسب بل العالم أجمع، بينما لم تستطع صورة عمر خاور إيقاف القصف الكيماوي والأنفال؟ الجواب يكمن في "دبلوماسية الصورة". نُشرت صورة فيتنام عبر وكالات عالمية واستراتيجية إعلامية جعلت منها "أيقونة عالمية". يحتاج الكرد إلى نقل صور الأنفال وحلبجة عبر "الدبلوماسية الرقمية" والمعارض المتنقلة إلى برلمانات الدول؛ لأنه عندما يتمعن سياسي في لوحة أو صورة، تتغير قراراته السياسية.

النصب التذكارية والذكريات هي أعمق أبعاد الفن البصري في الإبادات الجماعية. نصب "أحذية على ضفة الدانوب" في بودابست (2005)، عبارة عن 60 زوجاً من الأحذية الحديدية لليهود فقط، لكنه يخبرنا بلا كلمات أن بشراً كانوا هنا ولم يعودوا كذلك. هذه هي "فلسفة الغياب"، تحريك المشاعر والعقول، وخلق التفكير في الماضي، وإثارة العاطفة إلى الأبد. وبالمثل، نصب "كتل الهولوكوست" التذكاري في برلين، والذي يضم 2711 كتلة خرسانية بأحجام مختلفة، يخلق فضاءً يجعل المشاهد يشعر بـ "وحدة وخوف الضحايا"، فالأمر يتعلق بخلق شعور لدى المشاهد، يجب أن تشعر به، لا أن تفهمه فحسب. هذا هو المكان الذي يجب أن يبتكر فيه الكرد. نصب الأنفال التذكارية في جمجمال وكرميان أو قصف حلبجة الكيماوي، لا ينبغي أن تكون مجرد مبانٍ باردة مليئة بالصور، بل يجب أن تصبح "روائع الفن المفاهيمي العالمي" (Conceptual Art) التي تجبر المشاهد الأجنبي على السير عبرها وتهتز أعماقه.

في هذا السياق، تُعد تجربة مركز "ياد فاشيم" (Yad Vashem) في إسرائيل أكبر درس للكرد. ياد فاشيم ليس مجرد متحف للبكاء، بل هو "بنتاغون الذاكرة والألم". يتكون هذا المركز من أكبر أرشيف عالمي، وهو مدرسة لأبحاث الإبادة الجماعية، ونصب تذكارية تربط التاريخ اليهودي بالقيم الإنسانية. ومن أذكى أدواتهم "شارع الصالحين"، حيث يكرمون الأجانب الذين ساعدوا الأمة اليهودية أثناء وبعد الكارثة. هذه دبلوماسية ثقافية عليا لخلق "صداقة أبدية" مع الشعوب الأخرى. بالنسبة للكرد، من الضروري حتمياً تأسيس "مركز وطني للأنفال" بنفس المعايير، ليس فقط لحفظ التاريخ، بل ليصبح مصنعاً لإنتاج "القوة الناعمة" والتعريف بالكرد كأمة وفية، تمتلك ثقافة، ومحبة للحياة.

الخاتمة:
الدبلوماسية الثقافية هي مفتاح تحويل "الألم القومي" إلى "قوة دولية". الأنفال ليست مجرد جرح قديم، بل هي "هوية حية". إذا لم نتمكن من إثبات أننا جزء حي من البشرية بلغة الفن والثقافة، فإن العالم سيتجاهلنا بسهولة. الثقافة هي درع الحماية للأمة، خاصة الأمة التي لا تستطيع حماية نفسها بالسلاح والحدود ومقعد في المؤسسات الدولية. بالنسبة للكرد، الدبلوماسية الثقافية هي اللغة التي يفهمها العالم. لنبدأ من اليوم، لأن المستقبل يخص تلك الأمم التي تعرف كيف تروي قصصها.

المصادر العلمية والأكاديمية:

Alizadeh, H. (1983). NeyNava: Concerto for Ney and String Orchestra (Historical and Musical Analysis).

Anholt, S. (2007). Competitive Identity: The New Brand Management for Nations, Cities and Regions. Palgrave Macmillan.

Bêkes, Š. (2004). گۆڕستانی چراکان (The Cemetery of Lanterns). Aras Publishers.

Cull, N. J. (2009). Public Diplomacy: Lessons from the Past. Figueroa Press.

Frank, A. (1947). The Diary of a Young Girl. Contact Publishing.

Lemkin, R. (1944). Axis Rule in Occupied Europe. Carnegie Endowment for International Peace.

Melvern, L. (2000). A People Betrayed: The Role of the West in Rwanda's Genocide. Zed Books.

Nye, J. S. (2004). Soft Power: The Means to Success in World Politics. PublicAffairs.

Shoah Foundation. (2020). Visual History Archive: Global Documentation of Holocaust and Other Genocides. USC.

Snow, N., & Taylor, P. M. (2009). The Routledge Handbook of Public Diplomacy. Routledge.

United Nations. (1948). Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide.